ابن قيم الجوزية
151
البدائع في علوم القرآن
عنه الكفر بما معه من آياتنا ، قال مجاهد وعطاء : لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه . وهذا المعنى حق ، والأول هو مراد الآية ، وهذا من لوازم المراد « 1 » . وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية ، فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها . وقوله : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ، قال سعيد بن جبير : ركن إلى الأرض . وقال مجاهد : سكن . وقال مقاتل : رضي بالدنيا . وقال أبو عبيدة : لزمها وأبطأ . والمخلد من الرجال : هو الذي يبطئ مشيته ، ومن الدواب : التي تبقى ثناياه إلى أن تخرج رباعيته . وقال الزجاج : خلد وأخلد ، وأصله من الخلود ، وهو الدوام والبقاء ، ويقال : أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ، قال مالك بن نويرة : بأبناء حي من قبائل مالك * وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا قلت : ومنه قوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) [ الواقعة ] ، أي قد خلقوا للبقاء ، لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون ، وهم على سن واحد أبدا . وقيل : هم المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم ، وأصحاب هذا القول فسروا اللفظة ببعض لوازمها ، وذلك أمارة التخليد على ذلك السن ، فلا تنافي بين القولين . وقوله : وَاتَّبَعَ هَواهُ ، قال الكلبي : اتبع مسافل الأمور ، وترك معاليها . وقال أبو روق « 2 » : اختار الدنيا على الآخرة ، وقال عطاء : أراد الدنيا ، وأطاع شيطانه ، وقال ابن زيد : كان هواه مع القوم ، يعني : الذين حاربوا موسى وقومه ، وقال يمان : اتبع امرأته ، لأنها هي التي حملته على ما فعل . فإن قيل : الاستدراك ب « لكن » يقتضي أن يثبت بعدها ما نفي قبلها ، أو نفي ما أثبت ، كما تقول : لو شئت لأعطيته ، لكني لم أعطه ، ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته . فالاستدراك يقتضي : ولو شئنا لرفعناه بها ، ولكنا لم نرفع ، ولكنه أخلد ، فكيف استدرك بقوله : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ بعد قوله : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ؟ قيل : هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني ، وذلك أن مضمون قوله : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي
--> ( 1 ) راجع الطبري ( 9 / 127 ) . ( 2 ) أبو روق ، هو عطية بن الحارث ، صاحب التفسير ، صدوق ، انظر تهذيب التهذيب ( 7 / 224 ) .